محمد متولي الشعراوي
3048
تفسير الشعراوى
وحين يأتي القرآن بقضية قرآنية فلنبحث أأيدتها القضايا الكونية أم عارضتها ؟ القضية القرآنية هنا هي تقطيع بني إسرائيل في الأرض أمما ، أي تفريقهم وتشتيتهم ولم يقل القرآن : « أذبناهم » بل قال : « قَطَّعْناهُمْ » وتفيد أنه جعل بينهم أوصالا ولكنهم مفرقون في البلاد . وعندما نراهم في أي بلد نزلوا فيها نجد أن لهم حيا مخصوصا ، ولا يذوبون في المواطنين أبدا ، ويكون لهم كل ما يخصهم من حاجات يستقلون بها ، فكأنهم شائعون في الأرض وهم مقطعون في الأرض ولكنهم أمم ، فهناك « حارات » وأماكن خاصة لليهود في كل بلد . حدث ذلك من بعد موسى عليه السّلام ، لكن ماذا كان الأمر في أيام موسى ؟ قال لهم الحق : « ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ » أي بعد رحلتكم مع فرعون اذهبوا إلى الأرض التي كتبها اللّه لكم . ونلحظ هنا أن كلمة « الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ » فيها تحييز وتحديد للأرض . ولكن ما معنى « مقدسة » ؟ المادة كلها تدل على الطهر والتطهير . ف « قدّس » أي طهّر ونزّه ، ومقدسة يعنى مطهرة . والألفاظ حين تأتى تتوارد جميع المادة على معان متلاقية . ففي الريف المصري نجد ما نسميه « القدس » أو « القادوس » وهو الإناء الذي يرفع به الماء من الساقية ، وكانوا يستعملونه للتطهير ، فالقادوس في الريف المصري هو وعاء الماء النظيف . وعندما يقال : « مقدسة » أي مطهرة . إن من أسماء الحق « القدّوس » ، ويقال : « قدس الله » أي نزه ، فاللّه ذات وليست كذات الإنسان ، وله سبحانه صفات منزهة أن تكون كصفاتك ، وهو سبحانه له أفعال ، ولكن قدسه وطهره منزهة أن تكون كأفعالك . فذات الحق واجبة الوجود وذات الإنسان ممكنة الوجود ؛ لأن ذات الإنسان طرأ عليها عدم أول ، ويطرأ عليها عدم ثان ، وهو سبحانه واجب الوجود لذاته ، والإنسان واجب لغيره وهو قادر سبحانه أن ينهى وجود العبد . وللّه حياة وللإنسان حياة ، لكن أحياتك أيها الإنسان كحياة اللّه ؟ لا . إن حياته سبحانه منزهة وذاته ليست كذاتك ، وصفاته ليست كصفاتك ، فأنت قادر قدرة محدودة وله سبحانه طلاقة القدرة ، وهو سبحانه سميع والعبد سميع ؛ لكن سمع البشر محدود وسمعه سبحانه لا حدود له .